الكاتبة: بيسان جابر
في النقاش حول المخاطر والعنف القائم على النوع الاجتماعي في الفضاء الرقمي تظهر قضيتان رئيسيتان معقدتان دائماً: الأولى تظهر في الجانب علمي حيث يعد مجال الأمن السيبراني والرقمي مجالاً جديداً وسريع النمو يتداخل في حياتنا اليومية ويؤثر عليها بشكل كبير. اما القضية الأخرى فهي قضية العنف القائم على النوع الاجتماعي في الفضاء الرقمي والتي لا تزال تمثل تحديًا للعديد من أصحاب المصلحة والحكومات والعاملين في هذا المجال.
أحاول في هذه المدونة استكشاف هذه القضية باستخدام عدسة النوع الاجتماعي لتحليل المعاير المختلفة المعنية بذه القضية. فأستخلص بعض تلك المعايير التي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار عند مناقشة وتصميم وتطبيق سياسات العمل في الفضاء الرقمي.
الأمن السيبراني والعنف القائم على النوع الاجتماعي
أدى أهمال معايير ادماج النوع الاجتماعي في الأمن السيبراني إلى ثقافة تساهل أو تغافل عن بعض الاستخدامات الخاطئة للتكنولوجيا في الفضاءات الرقمية. فعلى الرغم من أن الخبراء والمدافعين عن عدالة النوع الاجتماعي حول العالم يدفعون النقاش العام والتقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء (أي أداة يمكن توصيلها بالأنترنت) على التفكير والتأمل في تأثيرات هذه التقنيات على النوع الاجتماعي[1] الا ان الطريق ما زال طويلاً في هذا المجال.
أولاً وقبل كل شيء تمثل تعريفات العنف السيبراني المرتبط بالنوع الاجتماعي مشكلةً في حد ذاتها، حيث لخص تقرير المعهد الأوروبي للمساواة بين الجنسين بعض سمات البيئات الرقمية والسيبرانية باعتبارها مساهمة في هذه المشكلة. ومن أهم هذه السمات هي تنوع المخاطر المحتملة وتزايد الفضاءات الرقمية وكثافة وتقاطع التفاعلات فيها أو عبرها. وتزداد هذه المشاكل تعقيداً في الفضاءات العابرة للثقافات والحدود، حيث يصعب مراقبة أو احتواء أو تنظيم هذه الفضاءات.
من الممكن القول ان الأمن السيبراني أو الرقمي يعتبر مفهومًا أو مجالًا حديثاً في العالم العربي، خاصة إذا ما تعلق الأمر بمناقشة الوصول والمشاركة في هذه الفضاءات. بل أصبحت قدرة الانتشار وسهولة الوصول الى هذه التقنيات من ممكنات العنف أو التهديد ضد النساء والشباب، وخاصة في مساحات التواصل الاجتماعي والرسائل النصية القصيرة في الأجهزة التي تحتوي على مزايا تمكنها من العثور على الأجهزة المفقودة. بالإضافة الى نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في السيارات والهواتف وهو أحد أدوات العنف والمضايقة والانتهاك الأعظم والأكثر تأثيراً التي تستخدم ضد ضحايا العنف المرتبط بالنوع الاجتماعي.
في الوقت الذي تسمر به المجتمعات حول العالم في استكشاف هذا المفهوم، تحاول النساء والفتيات في مجتمعاتنا العربية استكشاف أساليب التعامل مع طرق تعامل المجتمع مع المخاطر والعنف في الفضاء الرقمي. حيث وجدت دراسات حديثة أن حوالي نصف نساء (49%) المستخدمات للإنترنت في الدول العربية يشعرون بعدم الأمان بسبب التحرش الذي يتعرضن له في الفضاء الرقمي.[2]
فيما يلي أطرح قائمة بالاعتبارات التي يجب اتخاذها كتدابير حماية لتقليل مخاطر العنف المبني على النوع الاجتماعي:
1. الفضاءات الرقمية هي فضاءات اجتماعية/ فهي ليست فضائات عادلة و تشمل تمييزًا مبني على الجنس و غيره
أن الفضاءات الرقمية هي فضاءات اجتماعية تتشكل من ديناميات السلطة التي تستند إلى التمييز بين العرق والجنس والطبقة والفئات الاجتماعية الأخرى. وعليه يجب إدراج الفروق الجنسية والانحيازيات في الفضاء الرقمي في خططنا لحماية وصول الشباب والشابات إلى هذه الفضاءات بشكل امن.
2. العنف في العالم الاجتماعي ينعكس و يتعزز في العالم الرقمي والعكس أيضاً صحيح
العلاقة بين المجتمعات والفضاءات الرقمية مرتبطة بشكل عميق وتمثل انعكاساً لبعضها البضع في علاقة اعتمادية مباشرة. فالمجتمع الذي يتسامح ويتهاون مع أنواع معينة من الإساءة والتهديد والعنف يساهم ايضاً في جعل الفضاء الرقمي غير آمن. والعكس صحيح أيضًا، فالفضاءات السيبرانية والرقمية والأدوات والأجهزة التي يتم استخدامها للقيام بالعنف ضد النساء والفتيات تساهم في جعل المجتمع غير آمن.
3. النساء أكثر عرضة للعنف والاعتداءات، ولكنهن الأقل احتمالاً للإبلاغ عنها
إن الإبلاغ عن سلوك غير لائق أو معلومات مضللة يتأثر بشدة بالعوامل السياقية والاجتماعية والثقافية والديموغرافية في مجتمعاتنا. وعليه تولي النساء خاصة في سن مبكرة أهمية كبيرة لسرية الإجراءات وقوانين الحماية. تأكد العديد من الأبحاث الاجتماعية انه من المتوقع لدى النساء أن يواجهن ثقافة الانتقام أكثر من الرجال في حالات الابلاغ عن العنف في العالم الرقمي، أو في مجالات الاعلام اذا ما استخدمن سياسات "إطلاق صافرة."
4. الحقوق المدنية والرقمية لا تزال تفشل في حماية النساء في العالم العربي
للأسف، يتم التعامل مع النساء في العالم العربي على أنهن مواطنات من الدرجة الثانية و/أو غير متساويات مع الرجال حيث يكن أقل حماية بموجب التشريعات والقوانين. حتى في المشاريع أو البرامج التي تعتمد على الفضاءات الرقمية، يكون من المرجح أن تعيق العوامل الاجتماعية، والثقافية وجود النساء ومشاركتهن كما هو الحال في الفضاءات الغير رقمية. أي يجب تصميم سياسات وإجراءات الحماية التي تخص الفضاءات الرقمية بشكل يستجيب لهذه الفجوات في مجالات السياسات العامة بدل من أن يعززها.
تبدأ إجراءات الحماية والإدماج الآمن من مرحلة تصميم السياسات، وكخطوة أولى واساسية يجب البدء بتعريف العنف السيبراني والاعتراف به بطرق تستند إلى النوع الاجتماعي على مستوى السياسات الوطنية، بحيث يتم اعتماد التعريفات القانونية بشكل يحدد او يسمي الجريمة من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة لها.
وعليه، قامت عدد من الدول العربية بأجراء مجموعة من التغييرات أو تكيفات في أنظمتها الجزائية وتشريعاتها المتعلقة بالتحرش الجنسي والعنف الأسري لإدراج جرائم العنف السيبراني التي تستهدف النساء والفتيات. حتى وأن كانت هذه التغييرات تختلف من دولة إلى أخرى، فأنه توجد امثلة ايجابية يجب ذكرها. ففي تونس، يذكر القانون رقم 58 لعام 2017 أنواعًا مختلفة من العنف الذي تتعرض له النساء، مثل الأذى الجسدي والأخلاقي والجنسي والاقتصادي في القطاع الخاص أو العام. وفي مصر ولبنان والمملكة العربية السعودية، يجرم التشريع بشكل صريح العنف الرقمي ويعاقب على التحرش، في حين يبقى تعريف القانوني لـكلمة "التحرش" موضوعاً للنقاش في الأردن.
بالطبع، هناك المزيد لنتعلمه عن الفضاء السيبراني، ولكن القائمة المذكورة أعلاه هي اعتبرات أساسية يمكن أن تساعد في تصميم سياسات مستجيبة الى احتياجات النوع الاجتماعي وسياسات تقليل حجم الضرر القائم أو/و المحتمل في هذه الفضاءات.
وفي الختام، يجب أن يُمكن الفضاء السيبراني النساء من استخدام التكنولوجيا والإنترنت للتقدم في حياتهن ومسراتهن المهنية بدلاً من إرهاقهن في التفكير في أنواع العنف التي يعترضن لها. ففي هذا الفضاء تتوافر فرص وإمكانات عديدة للنساء والمجتمعات ككل، ومع ان النساء العربيات النشاطات والمدافعات عن حقوق الإنسان يستخدمن تقنيات التواصل القائمة على الإنترنت لخلق وتحريك والحشد لحقوقهن، ولكن يجب تحسين وتأمين الحماية لهن.
عن الكاتبة: بيسان هي طالبة ماجستير في معهد الدرسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة وتحمل درجة الماجستير في الأدب والنقد وشهادة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية والأدب. تملك ما يقارب ال 10 سنوات من الخبرة المهنية في البحث والتطوير في مجالات مختلفة، بما في ذلك الأنثروبولوجيا الثقافية والصحافة وحقوق الإنسان. تتركز بحوثها بشكل رئيسي على دراسات العولمة والنوع الاجتماعي، وتختص في أساليب البحث الإثنوغرافي والنظريات النسوية. عملت بيسان مع عدد من المنظمات الإقليمية والدولية.
[1] Combating Cyber Violence against Women and Girls. Published on 25 November 2022. LINK: https://eige.europa.eu/sites/default/files/documents/combating_cyber_violence_against_women_and_girls.pdf
[2] UNWOMEN, “ Violence against women in the online space: insights from a multi-country study in the Arab States”. The study, published in 2021 surveyed some 11,500 male and female Internet users over the age of 18 in Iraq, Jordan, Lebanon, Libya, Morocco, Palestine, Tunisia, and Yemen. LINK: https://arabstates.unwomen.org/sites/default/files/Field%20Office%20Arab%20States/Attachments/Publications/2021/11/Summary_Keyfindings_Final_EN.pdf

Discuss