"قراءة في المشاركة الشبابية، المدنية والسياسية: التجربة التونسية"

إخلاء المسؤولية: تسلط هذه المدونة الضوء على بيانات من: الدراسة تحليلية: الشباب في مواجهة العنف والملخص التنفيذي للمسح الوطني حول الشباب 2018-2019 المنجزة من قبل المرصد الوطني للشباب (وزارة الشباب والرياضة التونسية).

تعتبر غالبية المجتمعات العربية فتية، لا تتجاوز أعمار غالبية سكانها 25 سنة. فمثلًا، يمثّل الشباب 20% من السّكان في مصر وسوريا، و15% في البحرين ولبنان و21% في الجزائر و22% في الأردن و28% في تونس، بينما في الدول الغربية لا تتجاوز نسب الشباب 13 % من مجموع السكان. هذا لو اعتمدنا على أنّ سن الشباب بين 15 و24 سنة، كما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة.

لكن لو اعتمدنا عمر 29 عامًا كتعريف للشباب، كما هو متداول في جل الدراسات والبحوث العربية، فإن نسبة الشباب في تونس تتجاوز 30% من مجموع السكان، وهذا يعني أن هذه القوة الديمغرافية تمثل وقود حي وطاقة فاعلة ومؤثرة في المجتمع، ولهذا السبب يتعمّد الفاعلين في مواقع القرار وفي المنظمات الوطنية والدولية تكثيف العمل على تمكين الشباب وتحفيزهم على المشاركة، لأنه هنالك إجماع بكون العزوف وضعف المشاركة يؤديان إلى غياب التمثيل الحقيقي في مواقع القرار من زاوية، ويتسببان في بروز سلوكيات وظواهر خطيرة على المجتمع، مثل انتشار العنف والجريمة والإدمان، وغيرها من السلوكيات المحفوفة بالمخاطر.

شهدت نسب المشاركة المدنية لدى الشباب في تونس تحولات كبيرة كأحد أهم تداعيات ثورة 2010-2011، حيث عملت الطفرة السريعة في أعداد منظمات المجتمع المدني والتي تضاعف سريعاً من 221 جمعية إلى 2091 جمعية خلال الفترة بين عامي 2010-2011، وتواصل هذا التطور بتسجيل حولي 1600 جمعية سنوياً إلى أن بلغت 23456 جمعية في شهر يونيو حزيران من عام 2020. وقد تفاءل الجميع بهذا التحول في المشاركة المدنية والذي جاء بحماس واستعدادات عالية من قبل الشباب بالأخص، ولاقى دعماً مهماً من قبل الجهات الحكومية والمنظمات والعديد من الأطراف الدولية. ورغم أن الجمعيات الشبابية محدودة العدد ولم تبلغ إلا 1.7% من مجموع الجمعيات، فإن غالب الجمعيات الفعالة والتي ساهمت باقتدار في تدعيم المسار الانتقالي الذي تعيشه تونس، كان تحركها وقيادتها تقودها طلائع شبابية في الغالب، مثل جمعية "أنا يقظ" و"دستورنا" و"البوصلة" و"حكومتنا"، وغيرها من المنظمات التي تصدّرت مشهد العمل المدني المراقب للمسار الانتقالي والمساهم فيه.

لكن هذه المكانة والأهمية تراجعت بمرور الوقت، حيث تؤكد البيانات والمسوحات المنجزة على تراجع مشاركة الشباب التونسي في العمل المدني، فبالنسبة لمخرجات المسح الوطني للشباب الذي أنجزه المرصد الوطني للشباب (وزارة الشباب والرياضة التونسية)، والذي شمل 10 ألاف عينية اختيارية بشكل محكم ودقيق، نجد أنّ نسبة مشاركة الشباب التونسي في الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني تشكّل 6.4% فقط و2.6% من الشباب التونسي لهم نشاط سياسي. أما أهم المعوقات التي تحول دون مشاركة واسعة للشباب في العمل المؤسسي حسب تصريحات المشاركين، فهو الرأي السلبي الذي يحمله الشباب التونسي إزاء جمعيات المجتمع المدني والذي تم ذكره من قبل 31% من الشباب، تليه معوقات تتعلق بالحياة الداخلية لهذه الجمعيات، مثل غياب الديمقراطية والتشاركية وسيطرة الكبار، أو بكونها (جمعيات) مسيسة.

تعتبر التشريعات والقوانين المحفزة لمشاركة الشباب في تونس متقدمة ما إن قارناها بنظيراتها في المنطقة العربية. على سبيل المثال، نص الفصل 9 من الدستور التونسي على أن سنّ الترشح لرئاسة الجمهورية حدد ب 35 سنة على الأقل، أما بالنسبة للانتخابات البرلمانية، فقد نص الفصل 25 من القانون الانتخابي على حرمان القوائم الانتخابية التي لا تلتزم بإدراج مرشح شاب دون 35 سنة على الأقل في المراتب الأربعة الأولى من القائمة الانتخابية، من نصف منحة التمويل العمومي. أما بالنسبة للانتخابات البلدية، فإن الفصل 9 من القانون الانتخابي ينص على أن تضم القائمات مرشح أو مرشحة لا يزيد سنّه عن 35 سنة، وذلك من بين المرشحين الثلاثة الأوائل، ومن بين كل 6 مرشحين تباعاً في بقية القوائم.

 لكن وعلى الرغم من حزمة القوانين هذه، فإن نسبة مشاركة الشباب في الانتخابات بين أعوام 2011 و2019 بقيت دون التوقعات، فبالنسبة للانتخابات التشريعية عام 2011، كانت حصة الشباب دون 35 سنة في بالبرلمان 34 شاباً فقط من بين 217 نائباً (15.66%)، بل وتراجعت هذه الحصة في الانتخابات التشريعية لعام 2014 إلى 28 شاباً من بين 217 نائباً (12.9%). وفي الانتخابات البلدية 2018، وعلى الرغم من أن مشاركة الشباب في القوائم الانتخابية كانت مرتفعة وقُدّرت بحوالي 52.1%، وتشكيل الشباب ما مقداره 33% من المجالس المحلية، إلّا أنّ مشاركة الشباب في الاقتراع لم تتجاوز 5%. وبلغت نسبة مشاركة الشباب بين سن 18-25 سنة في الانتخابات الرئاسية في الدور الثاني 11.6 % من مجموع الناخبين داخل الجمهورية. وبلغت نسبة المشاركة للفئة العمرية 26-45 سنة في الانتخابات التشريعية 33 % من مجموع الناخبين داخل الجمهورية، وتحولت هذه النسبة إلى 50.6% في الانتخابات الرئاسية في الدور الثاني.

استقراء وتحليل هذه النسب يدفعنا للخروج بنتيجتين:

أولاً: الرغبة بالتجديد

دلّل ارتفاع عدد الأصوات الشبابية وضعف المشاركة في التصويت والترشح للانتخابات البرلمانية والرئاسية في مختلف الدورات، باستثناء الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية لعام 2019، على أن جيل الشباب يبحث عن مرشح من خارج "السيستم" أو المنظومة القديمة للمشهد السياسي، حيث عبر الشباب عن ذلك في البداية من خلال العزوف والمقاطعة، والذي يمكن اعتباره موقفاً سياسياً في حد ذاته.

ثانياً: إعادة تعريف الاهتمامات

تدفعنا نسبة الترشح المرتفعة لدى الشباب في القوائم البلدية (المجالس المحلية) والتي تقدر بـ 52.1% من مجموع المرشحين، بالإضافة إلى تمثيل القطاع الشبابي في هذه المجالس ما نسبتهَ 33% من عدد النواب البلديين، الى لإعادة النظر في مفهوم الانتماء والاهتمامات في المشاركة العامة لدى الشباب.      ففي حين كانت الأجيال الأكبر عمراً تعبر عن انتمائها واهتماماتها بالمشاركة على المستوى الوطني، فإن جيل الشباب اليوم يجد في "الحومة" -بالدارجة التونسية- أو ما يعرف بالحارة أو الحي والمعتمدية والقرية، مركزاً ومحوراً لانتمائهم الفعلي، ودلل على ذلك      نسبة المشاركة في المحطات الانتخابية بين عامي 2011 و2019.

 الخلاصة

هذه النسب من ضعف المشاركة الشبابية، حتى وإن كانت بمثابة موقف رافض "للسائد"، فإنها تطرح على الفاعلين تحديات لدعم وتعزيز مشاركة الشباب، باعتماد مقاربات جديدة مرتبطة بمتطلبات المرحلة، ولا تقتصر على أشكال الإدماج القديمة التي تتلخص في عناوين وشعارات لم تعد لها جاذبية وقدرة على تعزيز مشاركة هذا الجيل، في ظل وضع عالمي يشهد تغيرات ثقافية كبرى ألحقتها تأثيرات العولمة، وتغيير السياسات العمومية وتعامل الحكومات المتعاقبة مع هذه الفئة، والقائمة في الغالب على محاولة الاستيعاب البطريركي والتسلطي، بالإضافة إلى ضرورة تمكين هذه الفئة اجتماعياً واقتصادياً بما يمكن أن يسهل عملية دمجهم في مختلف مراحل وأطوار عملية المشاركة.

في النهاية، ومن هنا إلى حين الوصول إلى تغيير جذري في عقلية الأجيال المهيمنة على المشهد العام نحو تفكير تشاركي حقيقي، فإن علينا الحذر من تجذر ثقافة العزوف وعقلية توجيه الاتهام للآخر لدى الشباب، دون مساءلة النفس عن أسباب الخمول والتسليم بالواقع، ودون فرض الجدارة في العمل المدني والممارسة لفتح طريق جديد للمشاركة بمقاربات جديدة.

عن الكاتب: وسام الصغير، هو ناشط شبابي واعلامي تونسي، وسام ناشط في الثورة التونسية حيث تم اعتقاله في فترة 2010-2011، وسام هو باحث في المرصد الوطني للشباب (وزارة الشباب والرياضة التونسية).  

 

Discuss

Your name