ليس هناك شك في أن التوطين أصبح أولوية استراتيجية رئيسية للعديد من الجهات الفاعلة في مجال التعاون الدولي منذ عام 2016، بعد "الصفقة الكبرى" وهي اتفاقية بين بعض أكبر الجهات المانحة والمنظمات الإنسانية التي التزمت بتوفير المزيد من الوسائل لدى الأفراد لتحسين فعالية وكفاءة العمل الإنساني.
ومع ذلك، ها نحن اليوم في عام 2022 وما زال العمل على توطين العمل التنموي غير ناضج نسبيًا وغير موجود في بعض الأوقات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا واجزاء أخرى من العالم، حيث تتركز السلطة في أيدي الجهات الفاعلة الدولية. واليوم يكون في الغالب النقاش حول استدامة ووجود المنظمات غير الحكومية الدولية وليس حول الفائدة التي ستعود على المجتمعات المحلية. حيث تشكل فكرة نقص الأموال وتخفيض عدد الموظفين وتحديد التنفيذ المباشر من قبل المنظمات الدولية قلقاً لديها متناسين أن الهدف الرئيسي وطويل الأمد لهذه المنظمات هو تنمية المنظمات المحلية لا التواجد في السياقات المحلية الى الأبد.
العمل في مجال النوع الاجتماعي/الجندر في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
من الناحية المثالية، يتم تعميم النوع الاجتماعي في جميع أنواع البرامج مثل تغير المناخ والشمول المالي والفضاء المدني وغيرها من الفضاءات العامة والتنموية. ويشكل هذا الدمج ركيزة أساسية للجهود الإنسانية والإنمائية وبناء السلام. ومع ذلك، فإن العمل على هذا المفهوم بشكل غير سياقي يفترض مسبقًا احتياجات المجتمعات المحلية الى العمل بنهج ينطلق من الأعلى إلى أسفل[i] بينما تدعي هذه المنظمات تبنيها لمبادئ النهج القائم على حقوق الإنسان القائم على مشاركة المجتمعات المحلية مثل المشاركة في تصميم البرامج وعدم التمييز ضدها.
تحديات العمل في مجال النوع الاجتماعي/الجندر الحالي غير المحلي
عادة ما تتم كتابة معظم البرامج طويلة الأجل حول النوع الاجتماعي/الجندر والموافقة عليها دون التشاور المناسب مع المجتمعات المحلية، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني المحلية وأصحاب الحقوق (المستفيدون). بل وبالكاد يتوفر الحد الأدنى من المرونة وفي بعض السياقات لا تتوفر أي من اشكال المرونة في إعادة صياغة او تصميم هذه البرامج للتكيف مع التغيرات والعوامل السياقية. وعادة ما ينتج عن ذلك تدخلات غير ذات صلة لا تساهم في تقدم العمل على النوع الاجتماعي على المستوى الوطني في هذه الدول بل وتخلق فجوة أوسع بين المجتمعات المحلية والجهات الفاعلة في مجال التنمية.
سوف يعني إضفاء الطابع المحلي على العمل في نطاق النوع الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجود برامج قائمة على الأدلة والتي سوف يكون لها مساهمة واضحة في الاحتياجات الفعلية للمجتمع مع الاستخدام الحكيم للموارد المخصصة لهذا الغرض وفرض المساءلة أمام كل الممولين والمجتمعات المستهدفة. تم إجراء المزيد من الأبحاث على أرض الواقع منذ عام 2016 ومع ذلك، لاتزال الفجوة في استخدام هذه الأبحاث في تصميم برامج النوع الاجتماعي.
كيف يمكن تنفيذ هذا التوطين؟
الشراكة الوطيدة
تتمثل إحدى الخطوات نحو التوطين في إنشاء الشراكات الوطيدة، حيث يتمتع الفاعلون المحليون بالشعور الكافي في الملكية والمرونة لهذه البرامج، والتي ينتج عنها إنشاء برامج بناءً على استراتيجياتهم ولايتهم بدلاً من أن تكون مساقة من قبل المانحين فقط.
يحظى الفاعلون الدوليون بامتياز امتلاك كل من الموارد المالية والتقنية، في حين أن الفاعلين المحليين هم الخبراء في سياقاتهم وهم العامل الرئيسي لنجاح هذه البرامج في مجتمعاتهم. الشراكات الوطيدة هي استثمار في الاستدامة والعمل على النوع الاجتماعي طويل الأجل الذي لا يترك المستفيدين عند انتهاء التمويل.
التنسيق بين المانحين
يسمح التنسيق والموائمة في الشروط بين الجهات المانحة فيما بينها للجهات الفاعلة والناشطين المحليين بتركيز جهودهم على البرمجة والتنفيذ الفعليين بدلاً من محاولة تلبية هذه المتطلبات. حيث تشكل هذه الخطوة دفعة نحو فعالية اكبر للمعونات واستراتيجية مهمة لتقليل المنافسة على التمويل زيادة التعاون في القطاع التنموي.
التمويل المؤسسي
يعتبر التمويل المؤسسي أو المعروف ايضاً بالتمويل الأساسي الذي يساهم في تنفيذ استراتيجيات المنظمات المحلية الشريكة بدلاً من الأنشطة والمشاريع ذات النطاق المحدور استراتيجية أثبتت نجاحها، حيث مكنت هذه الاستراتيجية الجهات الفاعلة المحلية من رفع كفاءة عملهم وتحسين استخدام مواردهم فيما يلبي احتياجات المجتمع.
التمثيل
تمثيل الفاعلين المحليين داخل مجتمع التعاون الدولي حيث يتم اتخاذ القرارات لتطوين العمل على النوع الاجتماعي ويجسد حقيقة مقولة "لا غني عنا فيما يخصنا."
الخاتمة
باختصار، لا يمكننا تجاهل التاريخ الطويل للعمل الذي قامت به المنظمات الدولية في الاستجابة للأزمات الإنسانية ووضع برامج التنمية وجهود السلام. لكننا نحتاج إلى أن نكون واضحين أن الجهات الفاعلة الوطنية ليست مجرد مقدمي خدمات؛ هم شركاء رئيسيون للمنظمات الدولية غير الحكومية والوكالات المانحة التي يجب أن تكون جزءًا من صنع القرار وتصميم البرامج ثم التنفيذ. لا نريد إعادة تدوير التحديات، بل إيجاد حلول فعلية تساهم في التغيير المجتمعي. ان توطين العمل التنموي هو فرصة للجميع للعمل معًا، على الصعيدين الوطني والدولي، للاستفادة المُثلى من الموارد وتحقيق أثر حقيقي ومستدام.
سلام شبلي
عن الكاتبة:
سلام شبلي هي نسوية و خبيرة في إدارة البرامج التنموية ، لديها 10 سنوات من الخبرة في مجال التعاون الدولي وحقوق الإنسان مع التركيز بشكل خاص على الفضاء المدني والحقوق الرقمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. سلام حاصلة على بكالوريوس العلوم في هندسة الحاسب والنظم، ودبلوم في القيادة وإدارة المشاريع، وشهادة الاعتمادية في ادارة للمشاريع والإدارة المالية من APMG International.
تعمل سلام حاليًا كمديرة البرامج الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مع Viamo وهي مؤسسة ريادية اجتماعية عالمية تعمل ضمن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من أجل التنمي ICT4D، حيث تهدف المؤسسة للعمل على تحسين حياة الأفراد عبر الهاتف المحمول والحلول التكنولوجية.
[i] النهج المنطلق من اعلى الى أسفل: هو أسلوب تحكمي يقوم على التخطيط واتخاذ القرارات من قبل فرد أو مجموعة من الأفراد اصاحب النفوذ أو/و السلطة وفرضه على الأفراد الأقل قوة أو/نفوذ في المجتمع.

Discuss